في العصور السابقة، كان "المخبب" شخصاً يهمس بالسوء في أذن طرف لإفساد علاقته بالآخر. أما اليوم، فقد تحول التخبيب إلى صناعة رقمية (Digital Industry) تقودها خوارزميات مصممة لزيادة وقت البقاء على المنصة، بغض النظر عن الأثر الاجتماعي الناتج.
1. الهندسة الاجتماعية لعدم الرضا
يعتمد محتوى التخبيب الحديث على استغلال "ثغرات نفسية" في العقل البشري. يبدأ الأمر بعرض نماذج حياة مثالية (غالباً ما تكون مزيفة أو مجتزأة)، مما يدفع المشاهد للمقارنة التلقائية. في أمن المعلومات، نعتبر "الهندسة الاجتماعية" وسيلة للتلاعب بالبشر؛ وهنا يتم التلاعب بالمتابع لإقناعه بأن شريك حياته أو عائلته هم "العائق" أمام سعادته، تماماً كما يتم إقناع الضحية بفتح رابط ملغوم.
2. حلقة التغذية الراجعة (Feedback Loop) والخوارزميات
المنصات لا تهتم بـ "أخلاقية" المحتوى بقدر اهتمامها بـ الاستبقاء (Retention). محتوى النزاعات الأسرية والتحريض يولد مشاعر حادة (غضب، غيرة، تعاطف مفرط)، مما يؤدي لزيادة التعليقات والمشاركات. الخوارزمية هنا تعمل كـ "مسرّع للجزيئات"؛ بمجرد أن تتفاعل مع مقطع واحد يحرض على الانفصال أو التمرد غير المبرر، ستحاصرك المنصة بمئات المقاطع المشابهة، مما يخلق ما يعرف بـ غرف الصدى (Echo Chambers)، حيث يشعر المستخدم أن العالم كله يوافقه الرأي في ضرورة هدم بيته.
3. "التخبيب" كنموذج ربحي (Business Model)
تحول إفساد العلاقات إلى "محتوى" (Content) يدر دخلاً. صانع المحتوى يدرك أن نصيحة متزنة مثل "اصبري وحاولي إصلاح بيتك" لن تحقق "ترند"، بينما جملة مثل "أنتِ تستحقين الأفضل، اتركيه فوراً" ستحصد ملايين المشاهدات. هنا ننتقل من النصيحة الاجتماعية إلى الاستثمار في الأزمات الأسرية.
4. الأمن المجتمعي والذكاء الاصطناعي
مع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل توليد قصص وهمية أو فيديوهات "ديب فيك" (Deepfake) تهدف لإثارة البلبلة وتشويه المفاهيم الأسرية. إن خطورة التخبيب الرقمي تكمن في أنه يهاجم "النواة" (Kernel) الخاصة بالمجتمع، وهي الأسرة. إذا تعطلت هذه النواة، يصبح النظام الاجتماعي كاملاً عرضة للانهيار.
الخلاصة
التخبيب في زمن "السوشيال ميديا" ليس مجرد رأي شخصي، بل هو هجوم منظم على الاستقرار النفسي والاجتماعي، مدعوم بقوة تقنية هائلة. مواجهة هذا الفكر تتطلب "وعياً رقمياً" (Digital Literacy) يجعل المستخدم يدرك أن ما يراه ليس انعكاساً للواقع، بل هو بيانات مصممة لاختراق هدوئه النفسي.