في عالم أمن المعلومات، حيث تتسابق الثواني بين اكتشاف الثغرة واستغلالها، تبرز شخصيات استثنائية لم تكتفِ ببناء الأنظمة، بل أعادت صياغة مفهوم "الدفاع الاستباقي" في الفضاء الرقمي. باريسا تبريز، القيادية التي تقف خلف استدامة وأمن متصفح "جوجل كروم"، تمثل نموذجاً فريداً يجمع بين الرؤية الهندسية العميقة وفلسفة "تفكير المهاجم" لحماية ملايين المستخدمين حول العالم.
لم تكن مسيرة باريسا في قيادة فرق النخبة، مثل فريق "Project Zero"، مجرد إدارة تقنية عابرة، بل كانت تكريساً لمبدأ الشفافية في مواجهة تهديدات الصفر (Zero-day). في هذا المقال، نستعرض الجوانب التقنية والمنهجية التي تتبناها تبريز، وكيف يمكن لخبراء الأمن الاستفادة من هذه التجربة في بناء برمجيات أكثر صموداً.
أولاً: فلسفة "تفكير المخترق" كركيزة للدفاع
تؤمن تبريز بأن الدفاع الناجح يبدأ بفهم عقلية المهاجم. هذه الفلسفة لا تعني فقط البحث عن الأخطاء، بل تعني تحدي الفرضيات الأساسية التي بُني عليها الكود. من وجهة نظرها، الأمن ليس "حالة" نصل إليها، بل هو "عملية" مستمرة من التشكيك والتحسين. إن تبني هذا المنظور يسمح للمطورين بتوقع نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى ثغرات مستغلة.
ثانياً: استراتيجية العزل (Sandboxing) وتقليل مساحة الهجوم
أحد أكبر الإسهامات التقنية التي أشرفت عليها تبريز في متصفح كروم هو تعزيز مفهوم Sandboxing. تعتمد هذه الاستراتيجية على مبدأ تقني صارم: "لا تثق بأي محتوى خارجي".
عزل العمليات: يتم تشغيل كل علامة تبويب كعملية مستقلة ومقيدة الصلاحيات.
النتيجة: حتى في حال نجاح المهاجم في استغلال ثغرة داخل صفحة ويب، تظل الإصابة محصورة داخل "الصندوق الرملي"، مما يمنع وصوله إلى ملفات النظام الأساسية أو بيانات المستخدم في نوافذ أخرى.
ثالثاً: مبدأ الشفافية والمسؤولية المشتركة (Project Zero)
خلال إشرافها على فريق "Project Zero"، أرست تبريز معايير جديدة للتعامل مع ثغرات اليوم الصفر. تمثلت هذه المنهجية في منح المطورين مهلة محددة للإصلاح قبل الكشف العام عن الثغرة. هذا النهج يهدف إلى:
تحفيز سرعة الاستجابة: إجبار الشركات على إعطاء الأولوية القصوى للتصحيحات الأمنية.
تثقيف المجتمع التقني: نشر تفاصيل الثغرات يساعد المهندسين حول العالم على تجنب تكرار نفس الأخطاء البرمجية.
رابعاً: التشفير كمعيار افتراضي (HTTPS Everywhere)
كان لتبريز دور محوري في دفع شبكة الإنترنت نحو التشفير الشامل. من خلال جعل بروتوكول HTTPS معياراً أساسياً في متصفح كروم، ساهمت في حماية خصوصية البيانات من هجمات "رجل في المنتصف" (MITM). لم يعد التشفير خياراً للمواقع الكبرى فحسب، بل أصبح ضرورة أمنية تفرضها المتصفحات لحماية المستخدم البسيط.
الخاتمة: الأمن كفكر استراتيجي
إن تجربة باريسا تبريز تبرهن على أن الأمن السيبراني ليس مجرد أدوات برمجية أو جدران حماية، بل هو مزيج من الذكاء الاستراتيجي والشفافية التقنية. بالنسبة لنا كمهتمين بمجال الاختراق الأخلاقي وأمن الأنظمة، تظل دروسها في "البساطة الأمانية" و"العزل الهيكلي" مرجعاً أساسياً في بناء مستقبل رقمي أكثر أماناً.
